ملحمة كلكامش .. النص من فكرة الخلود الى محنة الموت / دراسة

أيلول 2nd, 2006 كتبها ابراهيم سبتي : قاص وروائي نشر في , دراسات

مابين البداية والنهاية ، ثمة سنوات من الالم والبهجة والمرارة وغضب الالهة والتمرد والموت ..

 ثمة امر يتوقف عنده قارئ ملحمة جلجامش ، اوروك تندب حظها العاثر لوجود جلجامش ملكا عليها !

يذهب اهلها الى الاله ( آنو )  يتوسلون  للقضاء عليه فيطلب من الهة الخلق ( اورورو) ان تخلق ندا له..

 فهو لم يترك ابنا لابيه ولا عذراء لامها ولا ابنة محارب او زوجة بطل واستمرت مظالمه ليل نهار دون انقطاع ..

عنيف ومغرور يبطش بشعبه دون رحمة .. هذا ماذكرته الملحمة في الرقيم الثاني من اللوح الاول أي في بدايتها ، ولم تأت زائدة في ترتيب النص ، انما خلقت انطباعا مفاده ان شخصية البطل جلجامش تشوبها الكثير من التناقضات .

فهو ظالم ومستبد وبطل ومنقذ لمدينته والمخلص لها في ذات اللحظة..

 وعندما تستجيب الالهة لتوسلات اهل اوروك فانها تخلق انكيدو غريما لجلجامش وخصما قويا..

لكن ايراد صفة الطغيان في المقدمة له دلالاته واثره في تسلسل السرد، ومحركة بالتالي للاحداث وجعل المفارقات اكثر اقناعا وبدراما حية حققت توازنا بين الوهم والمعقول في سلوك بطل الملحمة .

 فجلجامش الحاكم ( في الملحمة ) قد ذاع صيته وتخلدت اعماله الكبيرة فهو البطل سليل مدينة اوروك المخلوق بالهيئة الجميلة ، باني اسوارها ومعابدها وحافر ابار المياه فيها وزرع بساتينها الوارفة فطارت شهرته بين الاصقاع وهو الذي رآى كل شئ حتى نهايات الارض ..

 فلم تنجح الالهة في التخلص منه  بعد خلق انكيدو على الرغم من قوته وصلابته لانهما صارا صديقين حميمين وظل اهل اوروك تحت رحمتهما صاغرين مع ان الملحمة ذكرت في بعض المواضع عدم قبول انكيدو لبعض افعال جلجامش مثل رفض تهتكه في شهواته ومحاولة ثنيه عن عزمه في رحلة الغابة المروعة .. لكن جلجامش يطلب من صديقه الجديد القيام بمغامرة لاتخلو من المخاطر .. السفر الى غابات الارز وقتل حارسها المرعب فيتم لهما ذلك فيدعي جلجامش بانه لايحب الحياة الساكنة ويريد تخليد بطولاته ..

الا ان غضب الالهة لم ينقطع عن اوروك حينما تطلب الالهة انانا ( عشتار)  من اله السماء ان يرسل ثور السماء الى اوروك ليدمرها ويقتل ابناءها لرفض جلجامش حبها وشهوتها تجاهه .. فيهبط الوحش الى اوروك ناشرا الرهبة والفزع ويقتل الناس ويهلك الزرع والضرع ..

 فيشرع مع صديقه بمصارعة الوحش وقتله .. ويسير الصديقان بعد ذلك في موكب انتصار ضخم بين اهل اوروك المرددين :

جلجامش الازهى بين الابطال .. جلجامش الامجد بين الابطال ..

وتفشل مؤامرة عشتار من النيل من جلجامش ومدينته .

وبذلك يكون مصير اوروك ثانية قد تهدد بسبب حاكمها ويظل الناس يخشون ابقاء النار تحت الرماد والتي قد تضرم ثانية ان تكرر عنف جلجامش ..

( ثلثاه اله وثلثه بشر

لم يترك جلجامش ولدا لابيه

واستمر ظلمه ليل نهار

جلجامش ملك اوروك ذات السور  1

هو راعينا القوي الجميل العارف

لم يترك بنتا لامها

او ابنة مقاتل او زوجة بطل

وكانا لالهة يسمعون بكاءهن

فاستدعوا اورورو وسالوها انت التي خلقت جلجامش ؟

اخلقي لنا نظيرا له

وليتصارعا ولتهدا اوروك .) الملحمة اللوح الاول .

لكن الامور لم تسر كما كان جلجامش يريد ، فامرت الالهة بموت انكيدو عقوبة على مااقترفاه في قتل حارس الغابة المرعب وثور السماء .

 يمرض انكيدو ويموت تحت انظار جلجامش الحزين الذي هزه المشهد بعنف فصار يهيم في الصحاري فنصل الى ذروة الفعل الدرامي في النص والذي اراده كاتب الملحمة ان يكون التصعيد المبررلما سيقوم به جلجامش لاحقا ، فنجده  يفكر برؤى جديدة لم تطرأ على باله يوما ، فتتغير هيئته ويعتريه رهاب مرضي بعد مشهد موت الصديق الوفي فيهرب من منظرالجثة الذي يذكره بالفناء .. فاجعة الموت والتلاشي ومن ثم الرقود في العالم السفلي  ذلك العالم الذي قدر له ان يتبؤا مكانا مهما في الملحمة اضافة الى عالم الالهة ( الخلود ) فهو العالم النهائي المفزع الذي لا رجعة منه ابدا   فتكون رؤاه الجديدة هي التطلع الى البحث عن خلود الانسان والهروب من الموت ..

الخلود المادي المحسوس .. خلود الجسد .

ف

المزيد


المشهد القصصي في الناصرية / دراسة

أغسطس 30th, 2006 كتبها ابراهيم سبتي : قاص وروائي نشر في , دراسات

 

ينبغي قبل دخول عالم القصة في مدينة الناصرية ان نذكر اهم الصحف والمجلات الصادرة مبكرا فيها ..

اذ تزامن ظهور القصة في مدينة  الناصرية مع صدور اول صحيفة فيها على يد محمد القطيفي واسماها (البهلول) في بداية الثلاثينيات ثم صحيفة (المنتفك) الأسبوعية عام 1939 التي  اصدرها  لفتة مراد والد الشاعر الراحل قيس لفتة مراد .

 وقد اتسم الاطار العام لها باقترابها من الصحف البغدادية الرائجة آنذاك .

وبعدها اصدر عبد الغفار العاني صحفا عدة منها الطليعة واللواء .

 

الا أن اهم اصدارين كانا هما مجلة البطحاء للمحامي شاكرالغرباوي ومجلة الناصرية التي اصدرتها مديرة التربية .

 لكن الغريب في مجلة البطحاء انها لم تنشر قصة واحدة على امتداد اعدادها الستة عشر . وللامانة نقول بانها نشرت محاولتين في النثر لاتصنف ضمن خانة القصة لعدم توفر عناصرها ولكنهما اقرب الى الخاطرة .

 ففي العددين الثامن والتاسع ( مجلد واحد) نشرت مادة نثرية بتوقيع الآنسة ( هتوف) من الناصرية عنوانها ( صدى النفس) .

 وفي العدد (16) نشرت الآنسة (عطارد) مادة اخرى عنوانها (السعادة) وهي خاطرة تتحدث عن تاثير السعادة على النفس البشرية ولايختلف السيد حسين مروة عن الانستين بنشره مادة نثرية عنوانها (خدعة الشيطان ) في العدد الحادي عشر .

 أن تلك المحاولات لاتعد قصصا بالمعنى المعروف ولكنها حاولت الاقتراب منها وان لم تصل اليها البته ..

 وبذلك لم تضف مجلة البطحاء أي جديد في مسيرة القصة في الناصرية رغم وجود بعض الاصوات والمحاولات في تلك الفترة امثال( عبد الكريم يعقوب وبهاء نور علي وسامي عبد الله الجليلي).

 في حين اهتمت بعض المجلات الصادرة في المدن الاخرى بالقصة وعدتها من الفنون الادبية المهمة ، كمجلة ( الهاتف) التي اصدرها الرائد جعفر الخليلي في النجف كما اسلفنا وهي ذات الفترة التي كانت تصدر فيها البطحاء ، فقد تمكن بعض كتاب القصة ممن نشروا نتاجهم القصصي في صحف محلية صدرت في الناصرية واخرى في بغداد مثل عبد الرزاق رشيد الناصري وصبري حامد وحسين الجليلي وخضر عبد المجيد وغيرهم ..

وفي الخمسينات استمدت القصة عناصرها من التحولات التي مر بها المجتمع العراقي .. اضافة الى الانفتاح الكبير على تراجم الادب العالمي والاطلاع على المدارس والمذاهب الادبية في الغرب .. فتاثر الادباء والمثقفين تاثرا واضحا انعكس على نتاجهم الادبي والقصصي الجديد على صفحات المجلات والصحف الرائجة انذاك ..

فكان تهافت الادباء على النشر من مؤشرات تلك الفترة مما جعل الباحث والدراس يتبين مسار القصة واساليبها من خلال الكم المنشور .وكان لا بد لبعض القصاصين ان يغيروا الاساليب القديمة التي ظهرت في العشرينات والثلاثينات وحتى تلك التي ظهرت في الاربعينيات (الى حد ما ) تلك الاساليب التي كانت بمثابة منشورات وعظية واصلاحية مباشرة . واكثر ما كانت تعالج مشاكل الفقر والتخلف اذا ما استثنينا بعض المحاولات في بث الفكر والاصلاح .. فكانت المهمة عسيرة امام اولئك القصاصين بان يكتبوا بجدية اكثر فكانت واقعيتهم النقدية متطورة قياسا الى الفترة التي سبقتهم ولكنها ظلت محصورة بالنقل الحي للاحداث والمشاكل اليومية دون الالتفات للصيغة وحرفية القصة كفن له ملامحة الخاصة ..

 واذا ما اعتبرنا بان الواقعية النقدية قد ظهرت في القرن التاسع عشر ،الا انها وجدت طريقها الى القصة الخمسينية في العراق كنهج وافد من الخارج وتمثلت بصورة قريبة في ادب غائب طعمة فرمان القصصي ، اذ تمثلت في نقد الواقع وتشخيص عيوبه ورفضه ولكن دون وضع الحلول او البدائل بسبب نظرتها السوداوية واليأس وقتامة الاحداث .. فكانت امرا طبيعيا أن يقع معظم قصاصينا تحت تاثير هذا الاتجاه واعتبارا أن الهم القصصي الذي كان موجودا لا يتعدى عرض عام لحالات اجتماعية لم تعالج بطرق حداثوية او تجريبية بل سقط بعضها في السذاجة والضعف الفني ، اما لقلة الخبرة او لعدم الاطلاع على التجارب الجيدة التي ظهرت موازية له ..

 في حين يمكن استثناء اسماء استطاعت الوقوف بجدارة في المشهد الخمسيني واثرت بوضوح في كتاب القصة الاخرين .. وقد استندت تلك الاسماء على ثقافة خاصة وارث قصصي اسسه عبد الملك نوري وجعفر الخليلي وانور شاؤول فانجب الخمسينيون اسماء مهمة صنعت تاريخا واساليبا متميزة كغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي ، اذ عالجت حالات المجتمع بلغة صادقة وهادفة ، وكان لا بد لاي قاص أن يتاثر بهما اذا ما اعتبرنا بانهما جددا في القصة. فتاثر كتاب القصة في الناصرية مع من تاثر بهما ، فنجحت بعض المحاولات في محاكاة قصصهما بمنهجها الواقعي النقدي اضافة لمحاولات اخرى كانت تتاثر بالواقعية الاجتماعية والتيار الرومانسي الذي ازدهر في الثلاثينات والاربعينات .. فكانت صحافة الناصرية تنشر نتاجات اولئك المغامرين الذين دخلوا عالم القصة الصعب .. وتميزت بعض محاولاتهم بالصدق والامانة لهذا الفن النبيل وفي الستينيات نجد أن قصاصي مدينة الناصرية قد استفادوا من جميع المحاولات التي سبقتهم على صعيد القصة العراقية المتمثلة في الارث القصصي الخمسيني الذي كتبه فؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان ومهدي عيسى الصقر واحمد فائق السعيد وادمون صبري وحسين علي راشد وحمدي علي وخليل رشيد وعبد الله نيازي وشاكر خصباك وصفاء خلوصي وعبد الرزاق الشيخ علي وفيصل الياسري ومحمد بسيم ونزار سليم وهلال ناجي فكان لابد من أن نجد القصة الستينية في الناصرية قد نضجت متأثرة بما انتجته تلك الاسماء واسماء اخرى ظهرت في الناصرية مثل عادل عطية وطاهر امين وعبد الرقيب احمد وصبري حامد ومجيد حميد النجار وخضر عبد المجيد وريسان العسكري واسماعيل سعيد ومن قبلهم عبد المحسن الكناني وعبد الكريم الامين .. على الرغم من أن بعض الستينيين كان له رأي اخر في ذلك.

 يقول القاص عبد الرحمن مجيد الربيعي بجرأة (لم اكن مقتنعا بما قرأته لقصاصين عراقيين من الفترة التي سبقتنا ، احسست بان نتاجهم مدعوم اعلاميا وسياسيا اكثر من اهميته الفنية ) ولعل الهم الذي حمله كتاب القصة في الناصرية قد اهلهم لكتابة قصة جديدة اختلف كليا عن القصة الخمسينية .

 باعتبار أن فترة الستينات السياسية الفكرية والثقافية كانت اكثر سخونة لما لاحداثها وتطوراتها من اهمية جعلت القاص والمثقف يعي المرحلة وخطورتها وتحولاتها فكريا وثقافيا حتى بات الادب على شفا حفرة من السقوط في الادلجة السياس

المزيد


النقدبين موت المؤلف وخلود الاثر / دراسة

أغسطس 30th, 2006 كتبها ابراهيم سبتي : قاص وروائي نشر في , دراسات

منذ ان ظهرت البنيوية كمنهج فكري يقوم على البحث عن العلاقات داخل النص ، كانت احدى اهم ثمار نظرية سوسير اللغوية التي تؤكد على اللغة والكلام والصوت والمعنى واعتبار اللغة جزء من الكلام ، وعرف اللغة بأنها نظام من الرموز المختلفة تشير الى افكار مختلفة ..

 واحدثت البنيوية ثورة هائلة في النقد الادبي حينما نظرت الى النص بأنه كيانا لغويا قائما بذاته معزولا عن المؤلف والظروف التي ادت الى ظهوره مخالفة مفاهيم المناهج النقدية التي سبقتها في الظهور مثل المنهج التاريخي والتأثري والنفسي والاجتماعي التي اكدت بمجملها على المؤلف كمبدع للنص وارتباطه بظروف عصره التي ساعدت على ابداعه ..

فرفض البنيويون مؤلف النص واشتغلوا على تحليل النص لغويا وفك شفراته والعلائق المتكونة منه وارتكزوا في ذلك على علوم اللغة التي احدثها فرديناد دي سوسير العالم اللغوي السويسري 

(  1857ـ 1913 ) واورد فيها جملة من المفاهيم الجديدة اهمها التفريق بين اللغة والكلام واعتبار الجملة الادبية نظاما من العلامات الذي يستند الى اللغة وعد الادب تابعا للغة وتنبأ بالسيميولوجية واعتبرها علم العلامات وعلم اللغة جزء منها ..

 فكانت علوم اللغة اساسا قامت عليه البنيوية وربطت بين النقد واللغة بوجود مستويات داخل النص مرتبطة توافقيا تحدد طبيعته و تحلله و تكشف بنيته كالمستوى الصوتي ـ مخارج الحروف وانساقها ورمزيتها ـ والمستوى الصرفي للكلمة والنحوي والدلالي ومستوى تداخل اللغة .. يقول الناقد كمال ابو ديب في كتابه جدلية الخفاء والتجلي 1979:

(  ليست البنيوية فلسفة ، لكنها طريقة في الرؤية ومنهج في معاينة الوجود ولأ نها كذلك فهي تثوير جذري للفكر وعلاقته بالعالم وموقعه منه وبأزائه ) .

وهرع البنيويون الى اقناع المعارضين بالحجج والتنظيرات التي حددت مفهوم المنهج ويكتب رولان بارت ( 1915 ـ 1980 )  بأن اللغة هي التي تتكلم وليس المؤلف ، فتم عزل المؤلف تماما واقصائه عن النص وعدم تقبلهم فكرة وجود الموضوعة قبل الكتابة واعتبار ان لحظة الشروع بالعمل ستتولد فكرة الموضوع  وتركز جهد الشكليين الروس بهذا الاتجاه وكان تيارهم رافدا مهما من روافد البنيوية وبحثوا عن القوانين غير المرئية التي تؤثر على العمل الادبي ووضعوا قواعد التحليل البنيوي حسب قوانين اللغة وبذلك نصل الى حقيقة نقدية مفادها ان الشكليين والسيميائيين والبنيويين اهتموا بالنص واهملوا كاتبه وقد جهرت جوليا كريستيفيا ـ من دعاة السيميولوجية ـ  معلنة بان النص جهاز لساني يعيد توزيع نظام اللغة .. وحسب القراءة السيميولوجية التي تقوم على اطلاق الاشارات كدوال حرة لا تقيدها حدود المعاني المعجمية ويصير للنص فعالية قرائية ابداعية ويصير القارئ المدرب هو صانع النص حسب قول بارت على انه ـ القارئ ـ يجب ان يكون واعيا لمفاهيم النص ومحدداته وعناصره وملما بقواعد اللغة .. مع ان بعض الدراسات البنيوية اقصت القارئ تماما من حساباتها .. ولم تكتف التفكيكية التي هي احدى نظريات مابعد البنيوية بما آلت اليه سابقتها ، بل امعنت تمزيقا بالنص وفككته كاملا وحللت اشاراته وقامت بتوليفه ثانية لتقدمه بصياغة جديدة واعتبر جاك دريدا النص بانه آلة تعمل بمفردها ، فتفكيك بناء النص الواحد يؤدي الى تدمير البنى الارتكازية له ..

 فعمل دريدا جاهدا لاقناع الاخرين بضرورة تقبل فكرته التفكيكية ودعا الى عدم اطلاق الاحكام الجاهزة بل التأني في تحليلها لفهم عناصرها ..

 وتعد التفكيكية من من اهم الحركات بعد ا

المزيد