مابين البداية والنهاية ، ثمة سنوات من الالم والبهجة والمرارة وغضب الالهة والتمرد والموت ..
ثمة امر يتوقف عنده قارئ ملحمة جلجامش ، اوروك تندب حظها العاثر لوجود جلجامش ملكا عليها !
يذهب اهلها الى الاله ( آنو ) يتوسلون للقضاء عليه فيطلب من الهة الخلق ( اورورو) ان تخلق ندا له..
فهو لم يترك ابنا لابيه ولا عذراء لامها ولا ابنة محارب او زوجة بطل واستمرت مظالمه ليل نهار دون انقطاع ..
عنيف ومغرور يبطش بشعبه دون رحمة .. هذا ماذكرته الملحمة في الرقيم الثاني من اللوح الاول أي في بدايتها ، ولم تأت زائدة في ترتيب النص ، انما خلقت انطباعا مفاده ان شخصية البطل جلجامش تشوبها الكثير من التناقضات .
فهو ظالم ومستبد وبطل ومنقذ لمدينته والمخلص لها في ذات اللحظة..
وعندما تستجيب الالهة لتوسلات اهل اوروك فانها تخلق انكيدو غريما لجلجامش وخصما قويا..
لكن ايراد صفة الطغيان في المقدمة له دلالاته واثره في تسلسل السرد، ومحركة بالتالي للاحداث وجعل المفارقات اكثر اقناعا وبدراما حية حققت توازنا بين الوهم والمعقول في سلوك بطل الملحمة .
فجلجامش الحاكم ( في الملحمة ) قد ذاع صيته وتخلدت اعماله الكبيرة فهو البطل سليل مدينة اوروك المخلوق بالهيئة الجميلة ، باني اسوارها ومعابدها وحافر ابار المياه فيها وزرع بساتينها الوارفة فطارت شهرته بين الاصقاع وهو الذي رآى كل شئ حتى نهايات الارض ..
فلم تنجح الالهة في التخلص منه بعد خلق انكيدو على الرغم من قوته وصلابته لانهما صارا صديقين حميمين وظل اهل اوروك تحت رحمتهما صاغرين مع ان الملحمة ذكرت في بعض المواضع عدم قبول انكيدو لبعض افعال جلجامش مثل رفض تهتكه في شهواته ومحاولة ثنيه عن عزمه في رحلة الغابة المروعة .. لكن جلجامش يطلب من صديقه الجديد القيام بمغامرة لاتخلو من المخاطر .. السفر الى غابات الارز وقتل حارسها المرعب فيتم لهما ذلك فيدعي جلجامش بانه لايحب الحياة الساكنة ويريد تخليد بطولاته ..
الا ان غضب الالهة لم ينقطع عن اوروك حينما تطلب الالهة انانا ( عشتار) من اله السماء ان يرسل ثور السماء الى اوروك ليدمرها ويقتل ابناءها لرفض جلجامش حبها وشهوتها تجاهه .. فيهبط الوحش الى اوروك ناشرا الرهبة والفزع ويقتل الناس ويهلك الزرع والضرع ..
فيشرع مع صديقه بمصارعة الوحش وقتله .. ويسير الصديقان بعد ذلك في موكب انتصار ضخم بين اهل اوروك المرددين :
جلجامش الازهى بين الابطال .. جلجامش الامجد بين الابطال ..
وتفشل مؤامرة عشتار من النيل من جلجامش ومدينته .
وبذلك يكون مصير اوروك ثانية قد تهدد بسبب حاكمها ويظل الناس يخشون ابقاء النار تحت الرماد والتي قد تضرم ثانية ان تكرر عنف جلجامش ..
( ثلثاه اله وثلثه بشر
لم يترك جلجامش ولدا لابيه
واستمر ظلمه ليل نهار
جلجامش ملك اوروك ذات السور 1
هو راعينا القوي الجميل العارف
لم يترك بنتا لامها
او ابنة مقاتل او زوجة بطل
وكانا لالهة يسمعون بكاءهن
فاستدعوا اورورو وسالوها انت التي خلقت جلجامش ؟
اخلقي لنا نظيرا له
وليتصارعا ولتهدا اوروك .) الملحمة اللوح الاول .
لكن الامور لم تسر كما كان جلجامش يريد ، فامرت الالهة بموت انكيدو عقوبة على مااقترفاه في قتل حارس الغابة المرعب وثور السماء .
يمرض انكيدو ويموت تحت انظار جلجامش الحزين الذي هزه المشهد بعنف فصار يهيم في الصحاري فنصل الى ذروة الفعل الدرامي في النص والذي اراده كاتب الملحمة ان يكون التصعيد المبررلما سيقوم به جلجامش لاحقا ، فنجده يفكر برؤى جديدة لم تطرأ على باله يوما ، فتتغير هيئته ويعتريه رهاب مرضي بعد مشهد موت الصديق الوفي فيهرب من منظرالجثة الذي يذكره بالفناء .. فاجعة الموت والتلاشي ومن ثم الرقود في العالم السفلي ذلك العالم الذي قدر له ان يتبؤا مكانا مهما في الملحمة اضافة الى عالم الالهة ( الخلود ) فهو العالم النهائي المفزع الذي لا رجعة منه ابدا فتكون رؤاه الجديدة هي التطلع الى البحث عن خلود الانسان والهروب من الموت ..
الخلود المادي المحسوس .. خلود الجسد .
ف














